التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مملكة كوش

 

مملكة كُوش:  مملكة قديمة قامت على نهر النيل، في المنطقة التي تعرف الآن بشمال السودان. ورد أول ذكر معروف في التاريخ لدولة كوش في الوثائق المصرية القديمة الراجعة للمملكة الوسطى المصرية. لكن بداية الذكر لا تعني بداية كوش كدولة، فقد أثبتت آثارها المعثور عليها أنها عاصرت الأسرة الخامسة من المملكة القديمة المصرية، إلى نحو 2500 ق.م. وجاء حين من الزمان في الفترة المروية لكوش، اتسعت فيه رقعتها السياسية فبلغت جنوب أسوان شمالاً، وكوستي وسنار جنوبًا. ولهذا الاتساع فإن البيئات الجغرافية وأنماط الحياة فيها اختلفت من منطقة لأخرى، ومن زمان لآخر.

قدّم الكوشيون مساهمة مهمة في الحضارة الإنسانية في ميادين العمارة، والفن، والكتابة من ناحية، وفي قيامهم بدور الوسيط بين مصر، كموطن لحضارتها نفسها ومعقل مهم للحضارتين الهيلينستية والرومانية، وبين وسط إفريقيا. وساعد في هذه الوساطة الموقع الجغرافي لكوش، لكونها جنوب مصر مباشرة وعلى صلة مستمرة بها، وبقلب إفريقيا بالبر والأنهار. وقد أثمرت صلة كوش بمصر مباشرة، وبالعالم الكلاسيكي غير مباشرة، عن تأثيرات مصرية قديمة وهيلينستية ورومانية امتزجت بالعناصر المحلية في حضارة كوش. لكن التأثير المصري أوضح هذه التأثيرات جميعًا وبخاصة في الديانة والعمارة الدينية والخط.

نبذة تاريخية :        

يمكن تقسيم تاريخ كوش إلى فترات خمـس  هي :

  1. فتـرة كرمـة (2500-1500ق.م.)
  2. الفـترة النَّبْتِـيّـة الأولى ( ؟ - 746ق.م.)
  3. فترة حكم مصر وكوش (746- 663 ق.م.)
  4. الفترة النبتية الثانية (663- 540ق.م.)
  5. الفترة المروية (540ق.م - 400م).

                    

فترة كرمة ( 2500-1500ق.م.) :

 يبدأ التاريخ الفعلي لكوش بفترة كرمة، إذ فيها تبلورت الصفة السياسية والحضارية لكوش. أما بداية الفترة نفسها فإنه يؤرخ لها بنحو 2500 ق.م، أي في وقت معاصر للأسرة الخامسة من المملكة القديمة المصرية. ومضى زمن لا يمكن تحديده ظهرت بعده كوش قوة سياسية ذات شأن، غدت مصدر إزعاج لمصر في الفترة المعروفة بالمملكة الوسطى. ففي الأسرة الثانية عشرة من المملكة الوسطى (نحو 1900ق.م)، ورد أول ذكر لكوش في الوثائق المصرية القديمة، يصفها بكوش الخاسئة.

ولما ضعفت مصر مرة أخرى فيما يعرف بعصر الاضمحلال الثاني، ووقعت تحت حكم الهكسوس، تحالف ملك كوش مع ملك الهكسوس المسيطر على الوجه البحري آنذاك ضد الملك المصري المسيطر على الوجه القبلي (الصعيد) في الوقت نفسه. ولما تحررت مصر من الهكسوس ودخلت فيما يعرف بالمملكة الحديثة غزت كوش انتقامًا وتوسعًا. وظل شمال كوش إلى أبي حمد خاضعًا للحكم المصري المباشر تحت إدارة حاكم يعرف بابن الملك في كوش، وظل هذا الأمر إلى أن ضعفت مصر مرة رابعة في الفترة المتأخرة من تاريخها حين استقل ما كان تحت يدها من كوش.

الفترة النَّبْتِـيّـة الأولى(؟- 746ق.م.):

 لما ضعفت مصر خلال الفترة المتأخرة من تاريخها فقدت سلطانها على ما كان تحت يدها من كوش، التي توحدت مرة أخرى تحت حكام كوشيين، حكموها من نَبْتَة، في منطقة جبل البركل، ودخلوا بها في الفترة النبتية الأولى من تاريخها. لا تعرف بداية هذه الفترة بالتحديد، ولا أسماء ملوكها الأوائل. أما أول ملك لها معروف تاريخيًا فهو كوشتو (كاشتا في قراءته القديمة) وفي عهده تم أول غزو كوشي معلوم لصعيد مصر، أعقبته هيمنة كوشية على معظم مصر على يد خليفته بيي (بعانخي في قراءته القديمة)، وبه بدأت الأسرة الخامسة والعشرون من تاريخ مصر القديمة، وإن لم يحكم الكوشيون مصر وكوش من عاصمة في مصر بعد.

حكم مصر وكوش (746- 663ق.م) :

 تبدأ هذه الفترة نحو 746 ق.م. بعد موت بيي في كوش، وعند مجيء خليفته شباقو (شباكة في قراءته القديمة)، فهو أول من حكم مصر وكوش معًا من مصر، وقلّده في ذلك أربعة ملوك من بعده أشهرهم تارقو (تهراقة في قراءته القديمة)، الذي وصفته النقوش الآشورية بأنه ملك مصر وكوش. ولكن تارقو مثل سلفه شبتقو (شبتكو في قراءته القديمة) شغل نفسه بالحرب مع الآشوريين الذين كانت إمبراطوريتهم قد غدت أكبر قوة في الشرق آنذاك في القرن السابع قبل الميلاد. وانتهى الصراع الآشوري الكوشي بهزيمة الكوشيين وإجلائهم عن مصر مرتين، مرة في عهد تارقو ومرة أخرى في عهد خليفته.

الفترة النبتية الثانية (663-540 ق.م) :

 بدأت هذه الفترة بعد إجلاء الكوشيين عن مصر، وحكمهم لكوش منفردة من نبتة مرة أخرى. وفي الوقت نفسه كانت للكوشيين مدينة أخرى في وسط كوش هي مروي. ولأسباب غير معروفة يقينًا انتقلت العاصمة الكوشية من نبتة إلى مروي نحو 540ق.م، تمامًا مثلما كانت قد انتقلت إلى نبتة من كرمة من قبل. ومما شهدته هذه الفترة الصراع الشديد بين الكوشيين والصاويين الذين كانوا يحكمون مصر آنذاك، فيما يعرف بالأسرة السادسة والعشرين من تاريخ مصر القديمة.

الفترة المروية (540ق.م - 400م):

 الفترة المروية أطول عهود الكوشيين زمنًا وأزهاها، سميت بالمروية لحكم الكوشيين دولتهم من مروي، على الشاطئ الشرقي لنهر النيل في الطرف الغربي من أرض البطانة ¸جزيرة مروي·. شهدت هذه الفترة عهود رخاء وازدهار وعمران، وعرفت أول كتابة للغة الكوشية المشهورة حاليًا باللغة المروية.كما عرفت الفترة صلات سلمية طويلة المدى مع مصر وأكسوم في الحبشة. لكن الصلات السلمية مع مصر تخللتها أحيانًا صدامات مع حكامها من الصاويين المتأخرين، وبعض البطالمة ثم الرومان، وذلك حين كانت كوش تناصر ثورات الصعيد المصري ضد هؤلاء جميعًا. كما شهدت الفترة غزوًا كوشيًا لصعيد مصر في بداية حكم الرومان لها بقيادة ملكة وولي عهدها، شمل جزيرة فيلة وأسوان وجزيرة الفنتيني المواجهة لها، أثمر عن غنائم كثيرة من بينها تمثال الإمبراطور الروماني أوغسطس. فأدى هذا الغزو إلى حملة تأديبية رومانية صادفت بعض النجاح في شمال كوش.

لأسباب غير معروفة خفت صيت كوش عالميًا في القرن الرابع الميلادي ولم تعد لمروي الأهمية السياسية التي عرفت بها من قبل. وليس ببعيد أن تكون ظروف غير معروفة للباحثين قد أدت إلى نقل الكوشيين عاصمتهم نقلة ثالثة إلى الجنوب إلى سوبا شرق النيل الأزرق، ونقلة رابعة بعدها إلى موقع سنار الحالية. ومهما كانت الأسباب فإنه ليس هناك من دليل يسند الزعم الشائع بأن دولة أكسوم أسقطت مملكة مروي، وأن ذلك كان على يد عيزانة الأكسومي.

تعليقات