المحاور الرئيسية :
- معتقدات النصارى
- التثليث
- الدينونة
- الصلب
- التعميد
- الاعتراف
- العشاء الرباني
- الاستحالة
- أصل النصرانية
- البداية
- انتشار النصرانية
- النصرانية في العصور الوسطى
- انقسام الكنيسة
- ضعف السلطة البابوية
- حركة الإصلاح الديني
- حركة الإصلاح المضاد
- الحركة العقلانية وحركة دعاة التقوى
- ظهور القومية
- تحدي العلم
- النصرانية اليوم
النَّصْرانيّة : ديانة سماوية
أُنزلَتْ على عيسى ـ عليه السلام ـ مكملة لرسالة موسى ـ عليه السلام ـ ومتممة
لما جاء في التوراة من تعاليم، وموجهة خاصة لبني إسرائيل. ولكن التحريف دخل هذه الديانة
كما حرِّفت اليهودية؛ الأمر الذي أشار إليه القرآن الكريم، وأثبتته الدراسات
النقدية الحديثة لمصادر النصرانية ومعتقداتها. وتعرض هذه المقالة للنصرانية
المحرفة؛ فتبين معتقداتها وكتبها المقدسة إضافة إلى تاريخ النصرانية حتى عصرنا
الحاضر.
جاء عيسى ـ عليه السلام ـ برسالة
التوحيد شأنه شأن رسل الله جميعًا، ودعا الناس إلى عبادة الله وحده، قال تعالى: ﴿وإِذْ قال الله
ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، قال سبحانك مايكون لي أن أقول ماليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته،
تعلم مافي نفسي ولا أعلم مافي نفسك إنك أنت علام الغيوب ¦ ما قلت لهم إلا ما
أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدًا مادمت فيهم فلما توفيتني كنت
أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد﴾ المائدة :116، 117. ولكن لم يلبث أن دب الشرك في معتقدات
النصارى؛ بسبب تأثير فلسفات قديمة وديانات ومعتقدات وثنية، وسرعان ما أصبح لهذا التيار
الغلبة، وشاع الاعتقاد فيما يعرف بالتثليث وغيره من المعتقدات المحرفة.
التثليث : يمثل التثليث جوهر معتقد النصارى في
الألوهية، ويصورون هذا المعتقد بقولهم: طبيعة الله هي ثلاثة أقانيم متساوية: الله الأب،
والله الابن، والله الروح القدس. فإلى الأب ينتمي الخلق بوساطة الابن، وإلى الابن
ينتمي الفداء وإلى الروح القدس ينتمي التطهير.
غير أن الأقانيم الثلاثة تتقاسم جميع
الأعمال الإلهية على السواء، ورغم اتفاق النصارى حول هذه العقيدة فإنهم يختلفون
حول مفهومها، فبينما يقول الأرثوذكس بالتجسُّد؛ يقول الكاثوليك بالتعدُّد.
فعند الأرثوذكس أن الله واحد ولكنه مر بثلاثة أطوار، تعالى الله عن ذلك، فقبل نزوله
إلى الأرض يسمى الأب، وبعد خروجه من بطن مريم يسمى الابن، وبعد صلبه وصعوده يسمى
الروح القُدُس. فالله عندهم هو عيسى.
وأشار القرآن إلى هذا المعتقد، وبين
خطأ القائلين به، قال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو
المسيح ابن مريم وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم، إنه من يشرك
بالله فقد حرّم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾ المائدة :72. أما الكاثوليك فيقولون: إن الله غير الابن، والابن غيرالروح القدس.وقد
أشار القرآن أيضًا إلى بطلان هذا المعتقد، قال تعالى: ﴿لقد كفر الذين
قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن
الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾ المائدة: 73.
الدينونة: يعتقد النصارى أن المسيح ـ عليه السلام ـ هو الله الابن ويحاسب الناس على خطاياهم.
الصلب. يعتقد النصارى أن المسيح ـ عليه السلام ـ
قد صلب فداء للخليقة، وتكفيرًا عن الخطيئة التي ارتكبها آدم أبو البشر وورثها أبناؤه
من بعده. والنصارى مختلفون في الطريقة
التي تم بها الصلب، والقرآن يدحض هذا الزعم كلية فيقول: ﴿وقولهم إنا
قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله، وماقتلوه وماصلبوه ولكن شبه لهم، وإن الذين
اختلفوا فيه لفي شك منه مالهم به من علم إلا اتباع الظن وماقتلوه يقينًا ¦ بل رفعه
الله إليه وكان الله عزيزًا حكيمًا﴾ النساء: 157، 158.
التعميد: الانغماس في الماء، أو رش الشخص باسم الأب والابن وروح القدس تعبيرًا عن تطهير
النفس من الخطايا والذنوب.
الاعتراف : البوح بكل مايقترفه الإنسان من ذنوب
وآثام إلى رجل الدين. ويدّعون أن ذلك يسقط العقوبة ويطهر الذنوب.
العشاء الرباني : يدعي النصارى أن المسيح ـ عليه السلام
ـ جمع الحواريين في الليلة التي سبقت
صلبه، وأنه وزع عليهم خبزًا كسره بينهم وخمرًا، وأن الخمر يشير إلى دمه، والخبز إلى
جسده.
الاستحالة. يعتقد النصارى أن من أكل الخبز وشرب الخمر
في يوم عيد الفصح استحال فيه وأصبح كأنه
أدخل في جوفه لحم المسيح ودمه، وأنه بذلك امتزج بتعاليم المسيح.
البداية : كان عيسى عليه السلام حلقة في سلسلة
الأنبياء والرسل الذين بعث بهم الله تعالى إلى بني إسرائيل، فدعاهم إلى الإنجيل (العهد الجديد) أو البشارة، وجاءهم بالتوحيد
الخالص والإقرار بالعبوديه لله، وأكد لهم أنه بشر اصطفاه الله للقيام بأعباء الدعوة
بين بني إسرائيل ليردهم إلى شريعة الله، مصدقًا للتوراة غير ناسخ لها بل
مفسرًا لها وشارحًا لتعاليمها وحاكمًا بشريعتها.
ولم يقبل اليهود دعوة عيسى ـ عليه السلام ـ بل ناصبوه
العداء؛ لأن دعوته تتناقض وطبائعهم. ولم تكترث له الدولة الرومانية في البداية؛ لأن
دعوته كانت موجهة لبني إسرائيل فقط. ولكن اليهود أقنعوا الرومان بخطورة دعوة عيسى ـ عليه
السلام ـ وزعموا أنه يدعي أنه ملك اليهود، وهكذا اجتمعت سلطة الدولة واليهود على
مطاردته ومحاربته. وانتهى الأمر بمحاكمته بتهمة الخيانة والسعي إلى صلبه. ويزعم
النصارى أنه صلب وقتل، ولكن في الحقيقة نجاه الله من كيدهم ورفعه إليه.
ولم تنته الدعوة برفع عيسى ـ عليه
السلام ـ بل حمل الدعوة من بعده الحواريون الذين كانوا مناصرين له، ومؤمنين
برسالته قال تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا
آمنا واشهد بأننا مسلمون﴾ المائدة:111. وباستمرار الدعوة استمرت المحاربة والاضطهاد من جانب الأباطرة الرومان،
فطاردوا الموحدين من النصارى أتباع عيسى، ولم يرفع عنهم الاضطهاد إلا عام 313م.
وخلال تلك القرون الثلاثة، كان هناك
صراع يدور بين حواريي عيسى والجماعات التي كانت امتدادًا لهم، أو ما يعرفون
بالنصرانية اليهودية الموحدة، وبين تيار نصراني آخر كان يقوده بولس؛ الذي كان يهوديًا
متعصبًا ضد النصارى، وممن شارك في اضطهادهم ثم انقلب فجأة مدافعًا عنهم مدعيًا
أنه تلقى وحيًا ضمنه فيما يعرف بالرسائل المنسوبة إليه. واستمر هذا الصراع حتى
تغلب تيار بولس وأسكت صوت التوحيد. وظهرت نصرانية مستندة إلى تعاليم بولس التي
استمدها من الفلسفات القديمة والديانات الوثنية. فأدخل في النصرانية تأليه
المسيح وعقيدة التثليث وأفكار الصلب والفداء والتعميد، إلى غير ذلك من العقائد
التي سبقت الإشارة إليها.
قرر بولس أن النصرانية ليست مذهبًا
يهوديًا خاصًا ببني إسرائيل، بل هي دين جديد؛ وأن عليها أن تجعل دعوتها مفتوحة لغير اليهود.كما تساهل بولس في بعض التشريعات والطقوس؛
كالختان والسبت وتحريم الخنزير؛ سعيًا إلى كسب الوثنيين من الرومان وغيرهم. وهكذا جاء
بولس بنصرانية جديدة خالف بها دعوة عيسى ـ
عليه السلام ـ وخرج على تعاليمه وشريعته، واستطاع أن ينتصر على النصرانية
المحافظة التي ترسَّم أتباعها خطى المسيح ـ عليه السلام ـ ومازال العالم النصراني كله
إلى الآن أو معظمه يعيش على فتات هذا الرجل ومعتقداته التي حرّف بها النصرانية
الحقة الموحدة والتي ابتُعث بها ـ عيسى عليه السلام ـ إلا رجالاً على مر التاريخ
أيقنوا حقيقة ذلك، فآمنوا بالله ووحدوه سواء كان منهم من أسلم أو من ظل منتميا
للنصرانية
مكن التيار الذي قاده بولس اعتناق
الإمبراطور قسطنطين للنصرانية،ومنح بولس وأتباعه حرية العبادة، كما أن المجامع
النصرانية التي انعقدت تحت سلطة الإمبراطور، ووفقًا لتوجيهاته، انحازت لآراء بولس
وطاردت الموحدين، والمخالفين للكنيسة في الرأي. ويمكن الإشارة هنا إلى المجمع
الكنسي الأول الذي عرف بمجمع نيقية عام 325م، الذي تبنى مايعرف بمعتقد نيقية الذي يقول: إن يسوع هو الإله المتجسد،
ورفض آراء آريوس الذي ذهب إلى أن المسيح لم
يكن إلهًا كاملا.
بحلول عام 392م، أصبحت النصرانية
الديانة الرسمية للدولة الرومانية، وانتشرت على إثر ذلك في أوروبا الغربية جميعها.بل
إن تاريخ أوروبا ارتبط في مساره العام بالنصرانية. ولم يلبث أن بدأ الضعف
يدب في أوصال الإمبراطورية الرومانية. وفقد آخر إمبراطور روماني سلطته عام 476م،
وحينها انقسمت الإمبراطورية إلى قسمين:الإمبراطورية الشرقية والإمبراطورية
الغربية، هذه الأخيرة استولى عليها رؤساء القبائل الجرمانية، وتقسمت إلى ممالك
صغيرة، بينما بقيت الإمبراطورية الشرقية فيما يعرف بالإمبراطورية البيزنطية حتى عام
1453م، حينما استولى العثمانيون على عاصمتها القسطنطينية (إسطنبول).
وتبع هذا الانقسام فيما بعد انقسام
الكنيسة إلى كنيسة شرقية، مركزها القسطنطينية، وغربية مركزها روما.ويعرف
اتباع الكنيسة الشرقية بالأرثوذكس، وينتشرون في روسيا وبعض دول البلقان واليونان.
بينما يعرف أتباع الكنيسة الغربية بالكاثوليك، ويعيشون في إيطاليا وبلجيكا وفرنسا
وأسبانيا والبرتغال.
النصرانية في العصور الوسطى : بدأت العصور الوسطى ببداية سقوط الإمبراطورية الرومانية، واستمرت
نحو 1000عام، انقسمت خلالها الدول الرومانية الغربية إلى ممالك مختلفة؛ كونت كل
منها وحدة سياسية، وأصبح للبابا سلطة سياسية وروحية، خضع لها الأباطرة والملوك.
وفي هذه الفترة طغت سلطة الكنيسة، ومارست أبشع أنواع الاضطهاد والظلم. فإضافة إلى ما
أدخلته الكنيسة من تحريف في العقائد وانحرافات أعطتها قدسية من خلال المجامع
الكنسية. فقد مارست الكنيسة أنواعا من الطغيان الروحي والعقلي والفكري
والعلمي، فجعلت لنفسها حق التفرد بمعرفة أسرار العقيدة وفهم الكتاب المقدس. وربطت
الكنيسة إيمان الناس بها من غير فهم ولا مناقشة، فحجبت العقول عن التفكير وفهم الدين،
بل منعت الناس من التفكير في مسائل الكون والحياة وفقًا لما يقتضيه العلم من
الملاحظة والمشاهدة. وتبنت آراء أرسطو وبطليموس اليونانية في الطبيعة والفلك، وعدت
ماعداها من آراء، مخالفة للدين، ووصمت من يعتنقها بالكفر والمروق.
ونشأت محاكم التفتيش تصادر كل رأي
مخالف لما تقرره الكنيسة من أفكار. ومارست الكنيسة ألوانًا من الطغيان المادي
بما فرضته من ضرائب وإتاوات على الأراضي والناس، فكانت عونًا للاقطاعيين في ابتزاز
أموال الفقراء والضعاف. وأعطت الكنيسة نفسها حق امتلاك الغفران وإصدار الصكوك في ذلك.
وأفرطت الكنيسة في ممارسة هذا الأمر حتى أصبح بابًا من أبواب الكسب المادي والثراء
الحرام. إضافة إلى ذلك ساد في أجواء الكنيسة وفي أوساط رجال الدين نوع من الفساد
الأخلاقي، والانغماس في الترف والملذات، واتباع سياسة ما عرف في تاريخ الكنيسة بصكوك
الغفران.
وشهدت العصور الوسطى محاولات النصارى
الاستيلاء على الأراضي المقدسة في فلسطين فيما يعرف بالحروب الصليبية بين
القرنين العاشر والثالث عشر الميلاديين. ورغم فشل حملات الصليبيين في تحقيق أهدافها،
فقد كان لصلة الغرب بالشرق من خلالها أثر كبير في الثقافة الغربية؛ إذ ظهرت حركة
علماء اللاهوت السكولاستية الذين سعوا إلى وضع العقيدة النصرانية في نسق فكري منهجي،
وفهمها فهمًا عقليًا من أمثال القديس أنسلم والقديس توما الأكويني. كما شهدت
الأديرة ظهور جماعات الفرنسيسكان الذين عرفوا بحبهم خدمة الآخرين، والدومينيكانيين
الذين انصب اهتمامهم على المعرفة والعلم.
تباعدت مراكز النصرانية، روما
والقسطنطينية، خلال القرون الوسطى، و أدت الخلافات العقدية، والخلاف حول سلطة البابا إلى
الانشقاق النهائي بين الكنيستين عام 1054م، وهوذلك الانشقاق الذي مازال مستمرًا
حتى اليوم.
ضعف السلطة البابوية : بدأ كثير من الملوك والأباطرة بعد فترة من تسلط الكنيسة، يتمردون على
السلطة البابوية بل بدأوا يمارسون نفوذهم، ويقللون من امتيازات البابوية، كما
نشأ تنافس وخلاف بين الكاردينالات (رؤساء في الكنيسة) حول منصب البابا. وقد أضعفت
هذه الخلافات بين الملوك والبابوات، إضافة إلى الصراع داخل الكنيسة من مكانة
الكنيسة، ومركزها الأخلاقي، الأمر الذي حفز بعض رجال الدين النصارى للدعوة إلى الإصلاح.
حركة الإصلاح الديني : دفعت أحوال الكنيسة وسوء ممارساتها بعض رجال الدين إلى الدعوة إلى
الإصلاح واستنكار تلك الممارسات. وقد عرفت تلك الدعوة بحركة الإصلاح. وكان من أشهر
قادتها مارتن لوثر 1483- 1546م، في ألمانيا، وزوينجلي 1484- 1534م، في سويسرا،
وجون كالفن 1509 - 1564م، في سويسرا وإنجلترا .
ولم تجد دعوات هؤلاء المصلحين آذانًا
صاغية من الكنيسة، ومن ثم سعوا إلى تكوين جماعات تبنت آراءهم، وكونوا لهم وحدة
دينية منفصلة عن الكنيسة رافضة سلطانها. وعرفت الحركة التي تبنوها فيما بعد بحركة البروتستانت. أطلق على كنائسهم الكنيسة الإنجيلية؛ لأنها لاتخضع كما يقولون،
إلا لحكم الإنجيل. وانتشرت هذه الدعوة في ألمانيا والدنمارك والنرويج وهولندا
وأمريكا الشمالية وسويسرا وإنجلترا. وأهـم المبـادئ التي نادى بها أولئك الدعاة
هي:
الخضوع للكتاب المقدس في قبول كل قضية دينية، وإخضاع أوامر البابـا وقـرارات
المجامــع لذلك الحكـم.
·
من حق كل نصراني قادر أن يقرأ الكتاب المقدس وأن
يفسره.
·
ليس للكنائس البروتستانتية رئاسة عامة، فلكل كنيسة رئاستها، وعمل الكنيسة هو
الإرشاد والوعظ، والقيام بالتكاليف الدينية وتعليم الدين لمن يستطيع فهم الكتاب
المقدس.
·
ليس للكنيسة ولا لرجال الدين حق الغفران ومحو الذنوب، بل إن المغفرة
تعتمد على عمل الشخص وتوبته وندمه وعفو الإله عنه.
·
ترجمة الكتاب المقدس للغات المختلفة حتى
يقرأه الناس على اختلاف لغاتهم، وحتى تكون صلاتهم ودعاؤهم بلغة يعرفونها.
·
لاعلاقة للعشاء الرباني بجسم المسيح ودمه، وليس هو إلا للذكرى.
·
عدم الاعتراف بضرورة الرهبنة، وإباحة
الزواج لرجال الدين.
·
عدم اتخاذ الصور والتماثيل في الكنائس
وعدم السجود لها، فذلك أقرب للوثنية.
وفي إنجلترا طالب الكالفانيون بمزيد من الإصلاحات، ودخلوا في نزاع مع كنيسة إنجلترا أدى إلى خروجهم منها، وتكوين الكنيسة المشيخية
والكنيسة الأبرشية المستقلة.كما أن جماعات دينية صغيرة
متطرفة ذهبت إلى أن اللوثريين والكالفانيين لم يذهبوا إلى الحد اللازم لإصلاح
الكنيسة، ومن ثم كون بعض هؤلاء،كالمعمدانيين والكويكرز والمانونيتيين كنائس خاصة
بهم.
حركة الإصلاح المضاد : أحدثت حركة البروتستانت رد فعل داخل الكنيسة الكاثوليكية. فعقد مجمع ترنت
مرات عديدة (1545 - 1563م)، للبحث في مقاومة البروتستانتية. وجاءت قراراته مؤكدة
لسلطة الكنيسة المساوية لسلطة الإنجيل. كما ظهرت حركات مضادة للبروتستانتية داعية
إلى إصلاح الكاثوليكية من الداخل، كطائفة اليسوعيين التي أسسها أغناطيوس لويولا
عام 1534م. كما شهد القرن السابع عشر الميلادي حروبًا دينية طاحنة بين
البروتستانت والكاثوليك، من أشهرها ماعرف بحروب الثلاثين عامًا التي لم تضع أوزارها
إلا عام 1648م.
ظهرت خلال القرنين الثامن عشر والتاسع
عشر الميلاديين عدة تحديات للنصرانية من أهمها:
الحركة العقلانية وحركة دعاة التقوى : دعت الحركة العقلانية إلى الاعتقاد بعالم منظم
يمكن تفسيره بالعقل والمبادئ العلمية. وقد دعا أصحاب هذه الحركة كل المذاهب إلى
الاتفاق على أفكار أساسية تتمثل في الإيمان بإله عالم حكيم، والإيمان بوجود الروح،
وبحتمية الجزاء والعقاب في الحياة الآخرة. ولكنهم رفضوا الإنجيل والكنيسة مصدرين
للحقيقة. وفي مقابل هؤلاء العقلانيين ظهر جون ويزلي وأتباعه، الذين دعوا إلى التركيز على
التجربة الدينية بدلاً من اللجوء إلى العقل وتفسيراته. وعدوا الإيمان الصادق أهم
من شعائر العبادة. انفصل هؤلاء عن كنيسة إنجلترا في نهاية القرن الثامن عشر
الميلادي وعرفوا بالميثوديست.
ظهور القومية: شهد القرن التاسع عشرالميلادي ظهور الحركات القومية وقيام الدول الجديدة التي
عملت على فصل الدولة عن الكنيسة، وشككت في السلطة العليا للبابا. فهب البابوات للدفاع
عن سلطتهم، فأصدر البابا بيوس التاسع عام 1864م، ماعرف بخلاصة الأخطاء الذي أدان فيه
الحكومة الجمهورية والعقلانية والأفكار الأخرى التي تهدد سلطة الكنيسة. كما
عقد عام 1869 م، مجمع الفاتيكان الأول الذي قرر عصمة البابوية.
تحدي العلم : ظهرت خلال هذه الفترة بعض النظريات
العلمية التي مثلت تحديًا للتعاليم النصرانية. ومن أهم هذه النظريات نظرية التطور
البيولوجي
(النشوء والارتقاء)؛ التي قال بها عالم
الطبيعة الإنجليزي تشارلز داروين 1809- 1882م، والتي تتعارض مع التصور الإنجيلي للخلق.
النصرانية اليوم : إن تقدم العلم والتقنية في القرن العشرين غيَّر العالم المعاصر، وأوجد
كثيرًا من المشكلات التي مثلت تحديًا كبيرًا للكنيسة. وقد حاولت الكنيسة مقابلة
هذه التحديات عن طريق تقديم العديد من التنازلات، وذلك مثل الاهتمام
بالقضايا المتعلقة برفاهية الإنسان والسلام العالمي وحقوق الإنسان، وعن طريق تغيير كثير
من طرق العبادة وأشكالها. فقد أدخلت كثير من الأبرشيات حفلات الجاز، والطقوس
الشعبية، وأكثرت من استخدام الموسيقى في الكنيسة البروتستانتية. كماحلت العامية محل
اللاتينية في بعض طقوس العبادة، واتجهت الكنائس على اختلاف طوائفها، نحو الوحدة وأصبح
ما يعرف بالحركة المسكونية أو العالمية موضع اهتمام كبير من جانب
النصارى جميعًا خلال القرن العشرين. وقد بدأ هذا المنحى البروتستانت الذين عقدوا
اجتماعات عام 1910 م لاكتشاف إمكانية التقارب والتعاون، وكونوا عام 1948م المجلس
العالمي للكنائس. وهي المنظمة التي تعمل من أجل تقليل الاختلافات حول العقائد وتطوير
الوحدة النصرانية، ويضم الآن الأرثوذكس أيضًا. كما عبر الكاثوليك عن دعمهم للحركة
المسكونية في مجمع الفاتيكان الثاني الذي انعقد في الفترة بين 1962 - 1965م.
مفاهيم أخرى :
صك الغُفران: مصطلح شاع في الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في العصور الوسطى. وكان أصحاب فكرة صك الغفران،
يدّعون أن حامله يتحرر جزئيًا أو كليًا من العقاب الدنيوي، وعند منح الكنيسة صك
الغفران لأحد الأشخاص، فإن أعضاء الكنيسة يصلّون من أجله ليعود إلى حياة سليمة
خالية من الأخطاء.
رفض معظم النصارى فكرة صك الغفران
واعتبروها عبثًا وضحكًا على عقول الناس، وقد دفع هذا الكثيرين منهم للبعد عن
الكنيسة التي تستخف بأتباعها، وتستغل عواطفهم الدينية لجمع الأموال الطائلة عن طريق
زعمها بأن من يشتري صكًا من صكوك الغفران، يحوز مكانًا خاصًا به في الجنة، وعليه
إبراز هذا الصك بوصفه سندًا ودليلاً يؤيد حقه المزعوم.
أدت فكرة صك الغفران وما صحبها من ردود فعل ضد الكنيسة، إلى ظهور الاتجاهات العلمانية الحديثة في أوروبا، التي
أخذت تحارب كل ماله صلة بالفكر النصراني أو بالدين عامة مستغلة موضوع صك الغفران
وما صحبه من أباطيل.
مَجْمَع الفاتيكان الثاني : المجلس العالمي الحادي والعشرون للكنيسة الرومانية الكاثوليكية. دعا إلى عقده البابا يوحنا الثالث والعشرون في 25 يناير 1959م، وانعقد المجمع في 12 أكتوبر عام 1962م. وبعد وفاة جون في الثالث من يونيو عام 1963م، تابع أعمال المجمع بعده البابا بول السادس وعقد أربع جلسات استمرت حتى ديسمبر 1965م. وشارك في اجتماعاته 2,500 عضو وعدد كبير من غير الكاثوليك بصفةِ مراقبين.
أعمال المجمع. أصدر المجمع 16 وثيقة وأربعة قوانين وثلاثة إعلانات. وكان من أهمها القوانين التي تناولت الطقوس الدينية، والوحي والكنيسة، ودور الكنيسة في العالم المعاصر.
البروتستانتية : اسم عام يطلق على مئات الطوائف والفرق
النصرانية.
والبروتستانتية وليدة حركة الإصلاح
الديني المعروفة في أوروبا. وكلمة البروتستانت كلمة لاتينية معناها المحتج، وقد استخدمت لأول مرة عام 1529م حينما احتج بعض الألمان على محاولة
الكنيسة الكاثوليكية الحد من نشاط اللوثريين. ثم أطلق الاسم بعد ذلك على
جميع الطوائف والفرق النصرانية التي اختلفت مع الكنيسة الرومانية الكاثوليكية
وخرجت عليها.
يعيش معظم البروتستانت في أوروبا وأمريكا الشمالية. والبروتستانتية مذهب عدد
من الدول بما في ذلك الدنمارك وبريطانيا
والنرويج والسويد. كما أن للبروتستانتية أثرًا قوىًا في التاريخ الثقافي والسياسي
لتلك الأقطار.
الكتاب المُقَدَّس هو العهد القديم والعهد الجديد في
الديانتين اليهودية والنصرانية ويسمى أيضًا النصوص المقدسة. ويعتبره اليهود والنصارى كلام الله، ويستمدون منه أهم معتقداتهم وطقــوس
عبادتهم وأعيادهم واحتفالاتهم. وينقسم إلى قسمين: 1ـ العهد القديم 2ـ العهد
الجديد.
يعترف اليهود بالعهد القديم الذي
يسمَّى أيضًا الكتاب المقدس العبري. بينما يعترف النصارى بالعهدين. ويعد بعض النصارى الكتب غير القانونية الأبوكريفا جزءًا من الكتاب المقدس.
يبدأ العهد القديم بقصة الخلق، ويعرض
تاريخ بني إسرائيل في الفترة مابين حوالي عام 1300 ق.م والقرن الثاني قبل
الميلاد. بينما يغطي العهد الجديد نحو 100 سنة تبدأ بميلاد المسيح وتنتهي عام 125م.
ورغم الاعتقاد بأن الكتاب المقدس كتاب
واحد، فإنه في الحقيقة مؤلف من أجزاء كثيرة تسمى الأسفار. وقد اختار اليهود وطوائف النصارى بعض
الكتب التي اعتبروها وحيًا، فالعهد القديم العبري يحتوي على 24 سفرًا، وإنجيل البروتستانت
66 سفرًا، وإنجيل الرومان الكاثوليك 73
سفرًا.
وقد استخدم مؤلفو الكتاب المقدس أشكالاً أدبية مختلفة. وهناك نحو خمسين أسلوبًا استخدمت في العهد القديم، من شعر غزلي وترانيم وألغاز ومقالات وخيال وتاريخ وأمثال. ويتكون الكتاب المقدس في مجمله من قصص لأشخاص ذوي مكانة وأشخاص عاديين تعبر عن صراعاتهم وآمالهم وفشلهم وانتصاراتهم... إلخ.
الكنائس الأورثوذكسية الشرقية: هي الكنائس الرئيسية في اليونان وروسيا وأوروبا الشرقية وغربي آسيا، ويُقَدَّر أتباعها بنحو 170مليونًا.
نبذة تاريخية : كان النصارى يمثلون وحدة واحدة أمام اضطهاد الإمبراطورية الرومانية الوثنية. وقد كان اعتناق الإمبراطور قسطنطين الكبير النصرانية ومنحه الحرية الدينية للجميع نقطة تحول في تاريخ النصرانية، وبداية للشقاق داخل الكنيسة. كما عمَّقت قرارات المجامع التي عُقدت بين عامي 325 و 787م ذلك الخلاف والشقاق داخل الكنيسة. وبعد أن نقل قسطنطين الكبير عاصمته من روما إلى القسطنطينية أصبحت هذه المدينة مركز النصرانية الشرقية. وقد زاد من هذا النزاع بعض العوامل العقدية والسياسية والثقافية والجغرافية. وكان من أهمها عاملان، الأول: الفيليوغ، وهو دعوى الكنيسة الغربية أن روح القدس نشأ عن الله الأب والله الابن ـ حسب زعمهم ـ وإصرار الكنيسة الشرقية على أن روح القدس نشأ عن الله الأب فقط. والثاني: دعوى الكنيسة الغربية بامتداد سلطتها على الكنائس كلها. وقد أدى هذا إلى نزاع تاريخي في القرن التاسع الميلادي بين فوتيوس بطريرك القسطنطينية والبابا نقولا الأول، واستمر النزاع حتى عام 1054م حين أصدر وفد من البابا مرسوم حرمان البطريرك من الكنيسة، مما دعا البطريرك إلى عقد مجلس وأصدر مرسوم طرد ضد الوفد البابوي. وازدادت الخصومة بين الكنيستين مرارة حينما دمر النصارى القسطنطينية.
خلال الحملة الصليبية الرابعة وخلال فترة استيلاء الأتراك العثمانيين على القسطنطينية عام 1453م، التي استمرت حتى القرن التاسع عشر، عُدَّ بطريرك القسطنطينية الأسقف الأكبر لكل الأورثوذكس. وخلال القرن العشرين بدأ تقارب بين الكنيستين، ففي عام 1964م عقد البطريرك أثينو غراس الأول اجتماعًا تاريخيًا مع البابا بول السادس في القدس، وكان أول اجتماع يُعقد بين بطريرك القسطنطينية والبابا منذ عام 1439م. وفي عام 1965م رفع كل من القائدين الدينيين الطرد واللعنة التاريخية عن الآخر.
التنظيم : تتكون الكنائس الأورثوذكسية الشرقية من عدد من الكنائس لبعضها مكانة تشريعية خاصة، وهي على الترتيب كنائس القسطنطينية (تركيا)، الإسكندرية (مصر)، أنطاكية (سوريا)، القدس. كما أن هناك بعض الكنائس التي تتمتع بالاستقلال، وهي وفقًا لحجمها كما يلي: كنائس روسيا، رومانيا، صربيا، اليونان، بلغاريا، جورجيا، قبرص، تشيكيا، سلوفاكيا، بولندا، ألبانيا، فنلندا، سيناء (مصر). كما أن هناك كنائس أرثوذكسية في غربي أوروبا وأمريكا الشمالية ووسط إفريقيا، والشرق الأقصى ليس لها سلطة الحكم الذاتي. وقد أسسها منصرون أو مستوطنون من الدول التي تتبع الكنيسة الأورثوذكسية الشرقية. وتُعلي الكنائس الشرقية من مكانة بطريرك القسطنطينية الذي يُسمى البطريرك المسكوني.
رجال الدين : في الكنيسة الأُورثوذكسية ثلاث مراتب: المطارنة أو الأساقفة، والكهنة، والقساوسة الشمامسة إضافة إلى مرتبتين فرعيتين: الشماس المساعد والقارئ. والشماس ومساعد الشماس والقارئ يساعدون القس أثناء أداء الوظائف الدينية والحياة الروحية. وإدارة الكنيسة مسؤولية مشتركة بين رجال الدين والعامة الذين يشاركون أيضًا في انتخاب رجال الدين.
العقائد : يعتقد الأورثوذكس بالتثليث، كما يعتقد النصارى الآخرون، ولكنهم يقولون بالتجسد؛ أي أن الله هو عيسى وعيسى هو الله. وقد رد عليهم القرآن الكريم بقوله : ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم﴾ المائدة : 17. ويقول الأورثوذكس بأفضلية الإله الأب عن الإله الابن، بينما تقول الكنيسة الغربية بالمساواة الكاملة بين الاثنين. ويذهب الأورثوذكس إلى أن للمسيح طبيعة واحدة ومشيئة واحدة، بينما تقول الكنيسة الغربية بأن له طبيعتين ومشيئتين. وأخيرًا يقول الكاثوليك : إن روح القدس نشأ عن الله الأب والله الابن معًا بينما يقول الأورثوذكس: إن روح القدس نشأ عن الله الأب فقط.
العبادات : تتكون الطقوس الدينية عند الأورثوذكس من: القربان المقدس، وشعائر مثل الصلوات وتراتيل، واحتفاء بمناسبات مثل التعميد، والزواج والجنائز. وتؤدى كلها عادة بلغة الجمهور.
مباني الكنيسة : تتميز الكنائس الشرقية بأنها غنية بالزخارف الفنية والرسوم الدينية وتكون التماثيل جزءًا هامًا في عبادة الأورثوذكس.
الأسرار المقدسة : للكنيسة الأورثوذكسية سبعة أسرار مقدسة مهمة هي : 1- القربان المقدس. 2- التعميد. 3 - تثبيت العماد. 4- الاعتراف والكفارة. 5- الزواج. 6- الترسيم المقدس الدرجات الكهنوتية. 7- دهن المريض.
الكنيسة الرومانية الكاثوليكية: تمثل أكبر تجمع نصراني في العالم، ويُقدَّر أتباعها بنحو بليون يمثِّلون
خُمْسَ سكان العالم. ويقود الكنيسة البابا، وهو أسقف روما، من مقره بمدينة
الفاتيكان التي تُعدُّ دُويلة صغيرة مستقلة داخل مدينة روما. ويساعده في تصريف شؤون
الكنيسة وإدارتها في العالم بعض الإدارات التي يُطلق عليها رومان كوريا.

تعليقات