الإسلام دين التوحيد الذي أنزله الله على رسوله محمد ابن عبدالله القرشي الهاشمي (ص) وكلفه بأن يبلغه البشر كافة، وقد انتشر في الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي. ثم انتشر عبر العصور في جميع أقطار المعمورة. والإسلام الرسالة السماوية الأخيرة للبشرية، وقد جاء بعد اليهودية والنصرانية مصدقًا لما بين يديه من التوراة والإنجيل مبينًا لكثير مما بدّل أهل الكتاب وحرّفوا مما أنزل عليهم، متضمنًا كل أسباب السعادة في الدنيا والآخرة. وهو خاتم الأديان السماوية جميعًا وجوهرها وروحها. وقد جاء الإسلام لمعالجة كل ما يتعلق بالمجتمع من أمور دينية واجتماعية واقتصادية وسياسية، فهو دين ونظام حياة، وهو تشريع سماوي عام، كما أنه دين التيسير والتخفيف ورفع الحرج عن العباد. والإسلام أيضًا هو أن يسلم المرء الأمر كله لله، وأن يذعن له ويسكن إليه ويتوكل عليه، وأن يأتمر بأوامره، وينتهي عما نهى عنه.
والإسلام نظام متكامل، ينظم أمور الفرد كلها، الديني منها والدنيوي، وتعالج شريعته (قانونه) كل مناحي الحياة في المجتمع، الديني منها والسياسي والاقتصادي والحربي والاجتماعي والتربوي.
حمل الدعاة المسلمون الإسلام إلى الهند وكل أنحاء آسيا. ومنذ القرن الحادي عشر وحتى القرن الثالث عشر الميلادي، انتشر الإسلام في غربي إفريقيا. واليوم يُعدُّ الإسلام الدين الرئيسي لكل أقطار شمالي إفريقيا والشرق الأوسط، وكذلك الدين الرسمي لبنغلادش وإندونيسيا وماليزيا وباكستان وأفغانستان
ويشكل الإسلام في عالم اليوم إحدى أكبر الديانات، وأكثرها انتشارًا. فالمسلمون اليوم حوالي البليون وربع البليون نسمة، مفرقون بين أجناس وقوميات وثقافات عدة، ممتدة من جنوبي الفلبين في آسيا إلى نيجيريا في غرب إفريقيا، رابطهم الوحيد عقيدتهم الإسلامية. وهناك حوالي 18% من المسلمين يعيشون في العالم الغربي. كما أن إندونيسيا تضم أكبر مجموعة إسلامية، في حين أن المسلمين يشكلون الغالبية من سكان منطقة الشرق الأوسط، وكذلك منطقة شبه القارة الهندية، وجنوب شرقي آسيا، وأماكن شاسعة من إفريقيا. وهناك أقليات إسلامية لا يستهان بها في ما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي وفي الصين. وكذلك في الأمريكتين، وأوروبا غربيها وشرقيها ووسطها.
المعتقدات الأساسية :
الإسلام والإيمان لفظان قد يوضع كل منهما مكان الآخر. والإسلام هو التسليم لمشيئة الله والانقياد لأوامره والانتهاء عما نهى عنه. أما الإيمان فهو ما وقر في القلب وصدّقه العمل. وقد يشير الإسلام إلى الأعمال الظاهرة، في حين يشير الإيمان إلى الاعتقاد. والإيمان: أن يؤمن المسلم بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
الإيمان بالله: لكونه خالق الخلق من العدم، وخالق السموات والأرض وما فيهن، وجاعل الإنسان خليفة في الأرض، حيث سخر له كل الكائنات الأخرى، وأعطاه من فضله، ومن كل ما سأل، ولم يطلب منه غير عبادته، وطاعته وعدم الإشراك به، فهو غفور رحيم لكل ذنب دون الشرك، وهو العالم بما في صدور عباده، وهو على علوه وبعده عن الخلق، أقرب إلى عباده من حبل الوريد، وهو المحصي لكل أعمالهم، صغيرها وكبيرها، وعليها يحاسبهم يوم البعث، أوضح لهم طريق الحق والباطل، وأعطاهم عقولاً ليتفكروا بها، وليهتدوا بها إلى سبيل الرشاد. وهو الغني عن عباده، المدبر لخلقه، المتعالي بعظمته، الذي ليس كمثله شيء.
الإيمان بالملائكة : لأنهم جزء من عالم الغيب، لا تراهم العين، ولا تدركهم الحواس. خلقهم الله جلَّ وعلا من نور لطاعته وعبادته، فهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون مايؤمرون. وهم رسل الله إلى خلقه، وهم حفظة على عباده، يستغفرون الله. ومنهم من كلفه الله بكتابة أعمال خلقه، فهم عن اليمين والشمال يكتبون أعمالهم. ومنهم من كلفه الله بقبض أرواح عباده عند الموت، وسؤالهم في القبر. أما إبليس فمن الجن عصى ربه عندما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام، والجن نوع من الكائنات غير البشر والملائكة، خلقوا من نار، منهم الخيِّر والشرير. والملائكة هم أعلى مخلوقات الله.
الإيمان بالكتب : لأن المسلم مطالب بالإيمان بالكتب ورسالاتها، كالتوراة (العهد القديم) والإنجيل (العهد الجديد) وغيرهما. ومعنى الإيمان بالكتب هو التصديق اليقيني بأنها من عند الله كالقرآن. ذلك أن كل تلك الرسالات تؤكد حقيقة واحدة، هي عبادة الله الأحد الفرد الصمد. والإسلام هو الرسالة الخاتمة والمتممة لتلك الرسالات الماضية، والنبي محمد (ص) هو خاتم النبيين والرسل، فلا نبي ولا رسالة بعده. فهي لكل الأزمان والأماكن، وللخلق كافةً.
الإيمان بالرسل : لأن الإيمان بهم ـ صلوات الله عليهم ـ يتبع الإيمان بالكتب المنزلة التي أنزلت عليهم، فلابد من الإيمان بالله، وكتبه ورسله، كل الرسل لايفرق بين أحد منهم، منذ آدم وحتى عيسى (عليهم السلام جميعًا)، فكلهم مرسلون من عند الله. وقد أتى بعضهم خوارق ومعجزات، فليست هي من عندهم وإنما من عند الله، ثم إن المسلم مطالب بالتفكر في قصصهم، وما حدث لأقوامهم، ففيها سيجد العبر والعظات، وسيجد التأكيد المطلق على وحدانية الله، وعلى أن كل الأنبياء والرسل قد نادوا بها، وبإخلاص العبادة لله الواحد الأحد. فكلهم بشر عانوا ما عانوا في تبليغ الرسالة، وعارضهم قومهم، وكذبوهم، وعذبوهم، لكن كلمة الله هي التي غلبت في النهاية. والقرآن يشجب بشدة قول النصارى: إن عيسى ابن الله، أو قول اليهود من قبلهم: إن عُزَيْرًا ابن الله، ويشدد النكير على تلك الأقوال، ويقول: إن عيسى بشر وإنه كلمة الله ألقاها إلى مريم، مبينًا الإعجاز في ولادته، وفي حديثه وهو في المهد، وغير ذلك، لكنه بشر. وهو ـ أي عيسى ـ لم يصلب؛ وإنما شبه ذلك لهم، بل رفعه الله إليه. ومرة أخرى يؤكد القرآن أن هدف الرسالات كلها واحد، وهو عبادة الله وحده، وأن محمدًا (ص) خاتم أنبيائه ورسله.
الإيمان باليوم الآخر: يقرر الإسلام أن هدفه إعداد الناس للحياة الآخرة، فالدنيا ليست بدار قرار، وإنما هي معبر للآخرة؛ دار البقاء والخلود، والثواب والعقاب، والجنة والنار، وأنّ الخلق سيحاسبون على أعمالهم يوم القيامة، وستوزن أعمالهم، فإن كان عملهم خيرًا فخير، جنة ونعيم، وإن كان شرًا فشر، نار وعذاب مهين. ويصور القرآن مشاهد يوم القيامة بالتفصيل، ترغيبًا وترهيبًا للخلق، ويتحدث عن أهوال القيامة، ودقة الحساب، ثم عن نعيم الجنة، وأنهارها الجارية، وظلالها الوارفة، وحورها العِين وما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ويصف القرآن النار، وجهنم وسعيرها، وعذابها المقيم، ويأمر العباد بتقوى الله وطاعته بعدًا بأنفسهم عن مثل ذلك العذاب، وطمعًا في جنته ونعيمه.
الإيمان بالقدر: يقرر الإسلام أن كل مايجري في الكون ويقع فيه، يجري وفقًا لقضاء الله وقدره ويقع تبعًا لمشيئته وعلمه الأزلي، مع تأكيد قدرة الإنسان ومشيئته المرتبطة بالتكليف والمسؤولية عما يقوم به من أعمال اختيارية.
أركان الإسلام :
أركان الإسلام خمسة هي:
1- شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله
2- إقام الصلاة
3- إيتاء الزكاة
4-صوم رمضان
5- الحج إلى بيت الله الحرام لمن استطاع إلى ذلك سبيلاً.
الشهادتان : يصبح الشخص مسلمًا إذا نطق بهما، ويصبح بذلك مقرًا بأهم ماجاء به الإسلام، وهو وحدانية الله، ووحدانية ألوهيته وربوبيته، وأن العبادة له، والأمر كله له، ولا شريك له، ثم بأن محمدًا (ص) رسوله الذي أرسله بتلك الرسالة الحقة لهداية الخلق كلهم إلى دين الله القويم. والشهادة صلب الدعوة الإسلامية، وجوهرها.
الصلاة : وجبت الصلاة على المسلمين لعبادة الله؛ ففي أدائها خضوع للخالق وأحساس بالعبودية له. والمسلم يؤدي الصلاة خمس مرات يوميًا، عند الفجر، وعند الظهر، ثم عند العصر، فالمغرب فالعشاء بعد أن يطهر نفسه بالوضوء، ويعدها روحًا وذهنًا للقرب من الله. ويؤدي المسلم الصلاة، متجهًا نحو مكة المكرمة، حيث الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين كافة، مردِّدًا بعض آيات من القرآن، وبعض الصيغ الدينية. مثل التكبيرات والتسبيحات والأدعية... إلخ، ويمكن تأدية الصلاة بصورة منفردة أو في أي مكان يجد المرء نفسه فيه، على أن تكون الأرض طاهرة ـ أي بعيدة عن كل نجاسة ـ على أن صلاة الجماعة هي المستحبة.
وتتكون الصلاة من قيام وقراءة للقرآن وركوع وسجود، وجلوس للتشهد، مع قراءة القرآن. وبعض الصيغ الأخرى. وتكون صلاة الجماعة في المسجد ـ وقد تقام في أي مكان آخر ـ وفيها يقف المصلون في صفوف متراصة جنبًا إلى جنب، ويقف الإمام الذي يؤم الصلاة (أي يقودها) في مقدمة المصلين، مستقبلاً القبلة. ولكل وقت من أوقات الصلاة أذان، هو صيغة النداء للصلاة، ينادي به مؤذن من على مئذنة المسجد، أو من مكبرات الصوت كما يفعل المؤذنون في يومنا هذا. وللأذان صيغة معينة.
وصلاة الجمعة هي الصلاة الجماعية المفروضة على المسلمين، وتؤدّى في المسجد، وقد تحضرها النساء أو لا حسب ظروف رعايتهن لأولادهن وبيوتهن. وتسبق صلاة الجمعة (وهي ركعتان) خطبتان يلقيهما الإمام باللغة العربية أو بأي لغة أخرى، وتفصل بينهما جلسة خفيفة يجلسها الإمام. ولا يجوز قراءة القرآن في كل الصلوات بغير اللغة العربية. وقد يتعرض الإمام في خطبة الجمعة إلى تبصير الناس بدينهم، أو مناقشة بعض الأمور التي تهم الناس، سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية... إلخ.
وتمثل صلاة الجماعة اتحادهم واجتماعهم على هدف واحد، وهو الإحساس بأنهم عبيد الله، العاملون على طاعته، المنيبون إليه، الخائفون منه، والمقرُّون بربوبيته، ووحدانيته. وهي جمع وتآلف بين المسلمين، وتعاطف بينهم.
الزكاة : الزكاة من أهم أركان الإسلام بعد الصلاة. والزكاة والصلاة العمودان الأساسيان اللذان يقوم عليهما الإسلام. وتعني كلمة الزكاة: التطهر والنظافة، وإخراج جزء من المال للمساكين هو زكاة بهذا المعنى، لأن الإنسان يطهر بذلك ماله ونفسه. ويذكر القرآن أن الزكاة فرضت على أمم الأنبياء السابقين، وأنها مفروضة أيضًا على المسلمين، ويأتي ذكرها في القرآن مرتبطًا دائمًا بإقامة الصلاة. فالقرآن يقرر في آيات عدة أن المؤمنين حقًا هم الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة. والزكاة اختبار لقوة إيمان العبد، كما أنها وسيلة من وسائل التكافل الاجتماعي.
وقد ذكر القرآن عدة مرات مستحقي الزكاة الثمانية، وهم الفقراء والمساكين، والعاملون على جمعها (جمع الزكاة)، والمؤلفة قلوبهم (وهم الذين تقتضي الضرورة منحهم بعض الأموال من أجل الدفاع عن الإسلام، وينضم إليهم من أسلموا حديثًا ممن يقتضي الأمر إدخال الطمأنينة إلى نفوسهم) وفي الرقاب (وهم الرقيق الذين يريدون أن يشتروا حريتهم من سَيِّدهْم). يستحق الزكاة أيضًا، الغارمون (وهم أصحاب الديون) كما يستحقها أيضًا المجاهدون في سبيل الله، وكذلك المسافرون الذين انقطعوا عن أموالهم وقد أشار إليهم القرآن بابن السبيل. ويجمع الزكاة إمام المسلمين ـ أي رئيس الدولة ـ ويوزعها على مستحقيها، يقول الله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم﴾ التوبة: 60 .
صوم رمضان : الصوم هو أن يمسك الإنسان عن الطعام والشراب والجماع من الصباح حتى المساء. وقد عرفت أمم الأنبياء السابقين الصوم، ووجد في شرائعهم، فالصيام موجود بصورة أو بأخرى في معظم الأديان، والصيام عبادة الله في الخفاء، وهو بين العبد وربه، ومن ثم، فهو دليل قوة الإيمان، ومران على طاعة الله، وترويض للنفس على ترك شهواتها، والاتجاه إلى الله، فالجوع أو العطش ليسا عبادة وإنما وسيلة لأصل العبادة. وهو عدم فعل ما يخالف قانون الله وشريعته، بسبب الخوف من الله، وطلبًا لمرضاته بطاعته، والحرص على عمل الخير، واعترافًا وشكرًا على نعمه التي أنعمها على عباده، فالأكل والشرب وغيره من نعم الله. وليس الصيام بالإمساك عن الأكل والشرب فقط، وإنما هو الإمساك عن كل مايغضب الله، ولذلك قيل بأن الجوارح كلها تصوم، فاللسان يصوم عن الكذب، والغيبة، وقول السوء، والعين كذلك، والأذن، وسائر الأعضاء.
ويحسن في شهر الصيام الإكثار من العبادة، والتدبر، وقراءة القرآن، وعمل الخير والعطف على المساكين، كما أن هناك من المسلمين من يعتكف في المساجد في عشرة الأيام الأخيرة من رمضان، بغرض العبادة والتقرب إلى الله بالطاعات والذكر. والمسلمون يتحرون ليلة القدر في تلك الأيام، وهي الليلة التي أنزل فيها القرآن على النبي (ص). ورُخّص للمريض الذي لا يقوى على الصيام أن يفطر، وكذا المسافر والحامل والمرضع إن خافتا على نفسيهما أو على الجنين فلهما أن تفطرا وعليهم القضاء. أما المريض الذي لا يرجى شفاؤه والمسن الضعيف الهرم، الذي لا يستطيع الصيام؛ فعليهما إطعام مسكين عن كل يوم. ويحتفل المسلمون عند آخر أيام شهر رمضان بعيد الفطر المبارك، حيث يشكرون الله على الصيام وعلى خيراته، ويصلون الأرحام كما أوصى بذلك الإسلام.
الحج : فرض الحج على كل مسلم قادر ومسلمة قادرة مرة في العمر، والقدرة المقصودة هنا هي القدرة الجسدية والمادية.. والحج في اللغة معناه: القدوم والقصد، والمقصود: القصد إلى بيت الله الحرام (الكعبة) لأداء مناسك هذه الفريضة وشعائرها. وقد فرض الحج حتى يرتبط الناس في عبوديتهم لله ـ مهما بعدت بلادهم ـ بالكعبة، المركز الذي انطلقت منه الدعوة الإسلامية، وجاء الحج بشعائره الحالية إحياءً لسنة سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، وإبطالاً لكل ممارسات الجاهلية الأولى. ووقت الحج من اليوم الثامن من شهر ذي الحجة إلى الحادي عشر أو الثاني عشر منه، ويؤم مكة المكرمة في هذا الوقت حوالي مليونين من الحجيج المسلمين، ولهذا فالحج مناسبة عظيمة لاجتماع المسلمين المفرقين في أنحاء العالم في مكان واحد، ليتعارفوا، ويتدارسوا أحوالهم.
وللحج أركان وشعائر خاصة، مثل النية والإحرام، والطواف والسعي، والوقوف بالمشاعر (منى وعرفات ومزدلفة). وهناك مواقيت مكانية يحرم منها الحجاج. وإذا أحرم المسلم بالحج من الميقات كان عليه أن يتجرد من المخيط والمحيط. ويكتفي بلبس شقين من قماش أبيض، واحد لأسفل الجسم والآخر لأعلاه، دون تغطية الرأس، ويتبع إحرام الحاج امتناع عن أمور عدة، منها التطيب ومباشرة النساء، وقتل الصيد، وللإخلال بأي واحدة من هذه الواجبات كفارة معينة. أما الطواف، فهو الطواف بالكعبة سبعة أشواط، وهناك طواف القدوم الذي يؤديه الحاج عند دخوله مكة، ثم طواف الإفاضة، بعد الانتهاء من الوقوف بعرفات، ثم طواف الوداع. وعلى الحاج السعي بين الصفا والمروة، وهما الجبلان اللذان كانت هاجر زوج سيدنا إبراهيم (عليه السلام) تسعى بينهما طلبًا للماء، لها ولابنها الرضيع إسماعيل عندما نفد ماؤهما.
والوقوف بعرفات يوم التاسع من ذي الحجة (اليوم الذي يسبق عيد الأضحى) أهم ركن في الحج، ولا يتم الحج إلا به. ثم يأتي بعد ذلك الوقوف بمزدلفة، والمبيت بمنى يومين أو ثلاثة، ورمي الجمرات الثلاث في أيام منى.
ويوم النحر وهو العاشر من ذي الحجة هو عيد الأضحى المبارك ـ أو مايعرف بالعيد الكبير أحيانًا ـ وفيه يحتفل المسلمون في كل بقاع الأرض، بالذكر والصلاة، والتقرب إلى الله بذبح كبش أو خلافه. ثم بالتزاور ووصل الأرحام.
والحج عبادة جماعية، يجتمع فيها الحجاج من كل بقاع العالم الإسلامي في وقت واحد، ومكان واحد ليؤدوا مناسك واحدة، وهو مظهر رائع من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية، وهو دعوة للمسلمين كل عام إلى التعارف والتقارب، وهو أشبه ما يكون بمؤتمر إسلامي يلتقي فيه المسلمون مرة كل عام. وهو مثال للمساواة بين المسلمين ـ في مظهرهم، وفي توجههم، وفي خضوعهم التام لله، وهو حق لأرواحهم وتذكير لهم بيوم القيامة ـ فوقوفهم في عرفات خاشعين، داعين لله، منيبين إليه، شبيه بموقفهم أمام الله يوم البعث.
وتجدر الإشارة إلى أنه ليس للمسلمين مناسبات دينية يحتفلون بها سوى احتفالهم بالعيدين، عيد الفطر وعيد الأضحى، هذا في السَّنَة، ولهم يوم الجمعة في كل أسبوع.
---------------------
نبذة تاريخية :
ولد محمد (ص) في مكة في الثاني عشر من شهر ربيع الأول في عام الفيل وهو عام 571م في بني هاشم أحد بطون قبيلة قريش. ونشأ يتيم الأبوين تحت كفالة جده عبدالمطلب، فلما مات كفله عمه أبو طالب، وقد عرف منذ صباه بالصدق والأمانة وحسن الخلق، ورجاحة العقل، حتى إنه كان يُحكَّم في تسوية الخلافات التي تنشأ بين القبائل في مكة، كما حدث في حسمه الخلاف الذي دار بين أهل مكة حول رفع الحجر الأسود إلى مكانه من الكعبة. كما أنه كان يبعد بنفسه عن ممارسات أهل مكة. وكان رجلاً هادئ الطبع، كثير التفكير والتدبر. فكان يختلي بنفسه أحيانًا كثيرة يفكر ويتأمل ويتدبر في غار حراء في جبل النور بمكة. وقد جاء الوحي بالرسالة في إحدى خلواته تلك، وعمره آنذاك أربعون عامًا، وأٌمر بدعوة أهله الأقربين، ثم بدعوة أهل مكة من بعد ذلك ثم بدعوة الناس جميعًا إلى الدين الجديد، الداعي إلى نبذ عبادة الأوثان والأصنام المتفشية في مكة وفي الجزيرة العربية، وعبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا إله غيره.
لم تجد هذه الدعوة القبول من أهل مكة، إذ إنها كانت تهدد مصالحهم الدينية والتجارية والاجتماعية بل والسياسية أيضًا. فعارضوها واشتدوا في معارضتها وفي إيذاء واضطهاد الذين آمنوا بها، مما دفع ببعض المؤمنين إلى الهجرة للحبشة أولاً ثم هجرتهم جميعًا مع النبي محمد (ص) إلى يثرب (المدينة المنورة فيما بعد) في عام 622م. وكانت الهجرة إلى المدينة حدثًا فاصلاً في تاريخ الإسلام، أدت إلى تحول الإسلام من مرحلة الدعوة والاضطهاد إلى مرحلة الانطلاق والتطبيق؛ حيث تمكن النبي محمد (ص) من إقامة أمة الإسلام ودولته في المدينة، التي كانت النواة للدولة الإسلامية في العصور اللاحقة. واستمر الإسلام يقوى وينتشر من المدينة وحواليها، وماهي إلا سنوات قلائل حتى استسلمت مكة للنبي (ص) وصحبه، فدخلوها منتصرين عام 8هـ، 630م، حيث أزالوا من الكعبة الأصنام، وكل مظاهر الشرك، وأصبحت مكة مع المدينة، مدينتي الإسلام المقدستين.
التحق النبي (ص) بالرفيق الأعلى في ربيع الأول عام 11هـ، 633م، وبوفاته واجهت أمة الإسلام الوليدة مشكلتين، مشكلة من يخلفه في حكم الأمة، ومشكلة الردة. وقد تغلبت الأمة على المشكلتين، فاختير أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفة لرسول اللهلله، وكان بذلك أول الخلفاء الراشدين، وتمكن أبوبكر من محاربة وهزيمة المرتدين الذين رفضوا دفع الزكاة إلى الخليفة. وفي عهد الخليفة أبي بكر، استمرت حركة الفتح الإسلامية التي خرجت بالإسلام من الجزيرة العربية إلى بلدان الهلال الخصيب المجاورة، واستطاعت في النهاية ـ وبعد أن تابعها الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب، والثالث عثمان بن عفان ـ هزيمة الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، ففتحت سوريا والعراق وفلسطين ومصر. واستمرت حركة الفتح متصلة الحلقات، على عهد الدولة الأموية والدولة العباسية، حتى وصل الإسلام إلى أسبانيا غربًا وإلى الصين شرقًا.
اتصل المسلمون القادمون من جزيرة العرب بأهل وحضارات تلك البلاد المفتوحة، وتأثروا بتلك الحضارات، وأثَّروا فيها. فكانت النتيجة ظهور حضارة عربية إسلامية زاهرة، امتد أثرها فيما بعد إلى بلدان أخرى. وقد شجع المسلمون العلم وتعلموه باعتباره واجبًا دينيًا، إذ إن دينهم كان يحفزهم لتعلم العلم الواجب على كل مسلم ومسلمة، وترجموا وحفظوا تراث وعلم الإغريق والفرس والهنود، وصهروا كل ذلك في بوتقة إسلامية، فكانت الحضارة العربية الإسلامية التي أبدع علماؤها وأضافوا إلى المعرفة، في ميادينها المختلفة، خصوصًا في مجالات الطب، والعلوم كالرياضيات والفلك والفيزياء والهندسة، وفي مجال الجغرافيا والتاريخ والفن والأدب.
والعالم الأوروبي وغيره مدين للعرب والمسلمين بالكثير الذي لا يمكن إنكاره بحال من الأحوال. فقد تعلمت أوروبا الكثير في هذه المجالات، بل إن مانقل من هذه المعارف الإسلامية العربية إلى أوروبا عن طريق الترجمة (إلى اللاتينية بالذات) كان هو الأساس الذي بُنيت عليه الحضارة الأوروبية. فمخترعات العرب المسلمين في مجالات الملاحة ـ كالإسطرلاب، والخرائط البحرية وغيرها ـ كانت عاملاً أساسيًا في قيام أوروبا بحركة الاكتشافات البحرية. كما كانت كتب الرازي وابن سينا في الطب هي المسيطرة على التعليم الطبي في أوروبا حتى نهاية القرن السادس عشر الميلادي. وكذلك كتابات جابر بن حيان في الكيمياء والخوارزمي في الرياضيات وغيرها من المعارف التي انتقلت من عالم الإسلام إلى أوروبا، عن طريق أسبانيا الإسلامية وعن طريق الوجود الإسلامي في صقلية.

تعليقات